وُلد ديدييه ديشامب في الخامس عشر من أكتوبر عام 1968 في مدينة بايون الفرنسية لأب وأم فرنسيين، ومنذ الصغر، ظهر اهتمامه بكرة القدم واضحًا.

بقامة لا تتعدى مترًا وتسعة وستين سنتيمترًا، يمكن القول أن ديشامب كان لاعبًا قصير القامة مقارنة بأقرانه في وسط الملعب، ولكن قصر قامته لم يمنعه من التألق كأحد أعظم نجوم الكرة الفرنسية الذين حظوا بمسيرة تاريخية وحصدوا العديد من الألقاب.

بدأ ديشامب مسيرته الكروية بعمر الثمان سنوات بالانضمام لنادي بايون في مسقط رأسه، ثم انتقل منه إلى نادي نانت في الخامسة عشرة. مع نانت، تدرج ديشامب في فرق الشباب حتى وصل إلى الفريق الأول، وخاض أول مباراة له مع ناديه في الدوري الفرنسي وهو لا يزال في السابعة عشرة من العمر. وبعد 4 مواسم مع فريقه، جذب لاعب الوسط الشاب اهتمام مارسيليا، وبالفعل أتم الأوليمبيون تعاقدهم مع ديشان في
عام 1989، لتبدأ رحلته الحقيقية مع المجد وكتابة التاريخ

حصل ديشامب على القميص رقم 4 في مارسيليا، وفي موسمه الأول، واجه اللاعب الشاب صعوبة في التكيف مع أجواء المنافسة في الدوري الفرنسي والتعامل مع الضغوطات والمطالب الدائمة بتحقيق الفوز في كل المباريات. في ذلك الموسم، كان على ديشامب تجرّع كأس الخروج من دوري أبطال أوروبا من الدور نصف النهائي على يد بنفيكا البرتغالي وتفويت فرصة الوصول لنهائي كأس أوروبا للمرة الأولى في تاريخ النادي، والذي كان سيكون بمثابة الحلم بالنسبة للاعب الشاب.

بعد موسمه الأول مع مارسيليا، قرر النادي إعارته إلى بوردو، وبعد هبوط بوردو إلى الدرجة الثانية في ذلك الموسم، رفض ديشامب الانتقال إلى أحد أندية العاصمة وأصر على العودة إلى مارسيليا وإثبات جدارته بالتواجد في تشكيل الفريق بعد أن اكتسب بعض الخبرة الإضافية.

في الموسمين التاليين، بعزيمة وإصرار كبيرين، نجح ديشامب في الفوز مع مارسيليا بلقب الدوري الفرنسي مرتين، وفي عام 1993، حقق الفريق إنجازه التاريخي الأبرز – بقيادة ديشامب الذي أصبح قائدًا للفريق – بالفوز بلقب دوري أبطال أوروبا على حساب فريق ميلان الإيطالي المرعب في ميونخ، ليصبح ديشامب القائد الأصغر في التاريخ الذي يحقق ذلك اللقب. يحكي ديشامب أنه تعرض لإصابة في قدمه في الشوط الأول من المباراة النهائية، ولكنه تحامل على نفسه وقرر الاستمرار في اللعب، فأنت لا تلعب مباراة كهذه كل يوم. بعد العودة من ميونخ، حمل ديشامب كأس البطولة بين يديه ودلف به إلى ملعب فيلودروم ليحتفل مع زملائه والجماهير التي ملأت جنبات الملعب بإنجاز لم يتكرر في تاريخ النادي حتى الآن. ويصف ديشامب – الذي لقّبه إيريك كانتونا بـ “الساقي” لأنه كان يستخلص الكرة من الخصم ويمررها إلى زملائه المهاجمين ببراعة – لحظة رفعه كأس البطولة عاليًا باللحظة الرائعة التي لن ينساها طوال حياته.

في عام 1994، انتهت مسيرة ديشامب الرائعة مع مارسيليا كلاعب، حيث انتقل إلى يوفنتوس الإيطالي بعد أن بزغ نجمه كأحد أفضل لاعبي الوسط في أوروبا. مع السيدة العجوز، فاز ديشامب بالعديد من الألقاب المحلية وحقق معه لقبه الثاني في دوري الأبطال، وخلال فترته مع النادي الإيطالي، فاز ديشامب أيضًا بلقب كأس العالم كقائد لمنتخب فرنسا عام 1998. في عام 1999، انتقل ديشان إلى تشيلسي الإنجليزي، ولعب معه موسمًا واحدًا فاز فيه بكأس إنجلترا، ثم ذهب إلى أسبانيا للعب في صفوف فالنسيا في الموسم التالي، وهناك قاد النجم الفرنسي فريق الخفافيش لنهائي دوري الأبطال. وبعد انتهاء ذلك الموسم، أعلن ديشان اعتزاله اللعب بعمر الثانية والثلاثين، لتبدأ رحلته في عالم التدريب.

بدأ ديشامب مسيرته التدريبية الناجحة مع فريق موناكو، حيث فاز معهم بكأس الرابطة الفرنسية عام 2003 وقادهم إلى نهائي دوري الأبطال عام 2004، قبل أن يقدم استقالته في العام التالي بعد سلسلة من النتائج المخيبة ونظرًا لبعض الخلافات مع رئيس النادي. في عام 2006، تم تعيين ديشان مديرًا فنيًا ليوفنتوس، ولكنه لم يكد يكمل عامه الأول مع الفريق الإيطالي الكبير حتى قدم استقالته نتيجة خلافات مع إدارة النادي أيضًا.

جاء عام 2009 ليشهد فصلًا جديدًا من حكاية ديشامب مع مارسيليا، فتم تعيينه مديرًا فنيًا جديدًا للفريق لقيادته في الموسم الجديد. وفي أحد أحاديثه، يقول ديشان أنه قَبِل هذه المهمة لكي يرد جزءًا مما قدمه له مارسيليا، النادي الذي سطع نجمه معه في بداية مسيرته الكروية، ولأنه كان يرغب في إعادة الأمجاد الغائبة عن النادي الذي يحتفظ بمكان خاص في قلبه.

مرة أخرى، كان مارسيليا هو بوابة ديشامب للنجاح، فبعد أن فاز معه بالدوري الفرنسي وبدوري الأبطال كلاعب، نجح في قيادته في ذلك الموسم للفوز بلقب الدوري موسم 2009-2010، والذي ظل غائبًا عن النادي لما يقرب من الـ 18 عامًا. استمر ديشان في منصبه حتى عام 2012 حين قاد فريقه للفوز بلقب كأس الرابطة الفرنسية، وآنذاك قال ديشان: “الفوز بأي بطولة يُعد أمرًا صعبًا، ولذلك أنا سعيد بتحقيقنا هذا اللقب”.

بعد يورو 2012 ، تم تعيين ديشامب مدربًا لفرنسا ليحل محل لوران بلان حيث كان في طريقه لصنع التاريخ. لسوء الحظ ، خرج منتخب الديوك من الدور ربع النهائي في كأس العالم 2014 بالبرازيل على يد ألمانيا، ولكن ديشامب استمر في منصبه لقيادة المنتخب في يورو 2016 في الأراضي الفرنسية. في تلك البطولة، قدم المنتخب الفرنسي أداءً ممتازًا مع ديشامب وكان هو المرشح الأبرز للفوز باللقب، ولكنه خسره في المباراة النهائية أمام منتخب البرتغال. بعد ذلك، جدد الاتحاد الفرنسي ثقته في ديشامب، وفي كأس العالم 2018 في روسيا الصيف الماضي، نجح الديوك في حصد اللقب الثاني لهم في تاريخ البطولة على حساب منتخب كرواتيا، ليصبح ديشامب ثالث مدرب في التاريخ يفوز بكأس العالم كلاعب وكمدرب.

لا شك أن ديشامب حظى بمسيرة استثنائية كلاعب ولا يزال يحظى بمسيرة رائعة كمدرب. وإذا نظرنا إلى تاريخه، سنجد أن نقطة إنطلاقه نحو النجاح كانت دائمًا هي مارسيليا…النادي الذي لمع اسمه معه كلاعب وانطلق منه إلى العالمية، وأيضًا الذي حقق معه أول لقب في الدوري المحلي ليتسلق بعد ذلك سلم المجد مع منتخب فرنسا.